Rechercher dans ce blog

mardi 14 mai 2013

مفهوم الإعجاز عند الجرجاني 471

عند الإمام /
400 -  471 هـ
من خلال كتابه الرسالة الشافية.

الحمد لله الذي تكلّف بالمزيد لمن شكر، ووعد بالعذاب الشديد من كفر، حيث قال: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)([1])، أشكره على نعمه الوافرة، ومنّه الدائم، والصلاة السلام على أشرف البشر، حامل لواء العز والفخر، صاحب الحكمة والأدب، المذكور في التوراة والإنجيل، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، وبعد:
فمن أوفر النعم التي أنعم الله علينا هي القرآن الكريم، دستور الأمة الخالد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.، من تمسك به نجح في الدارين، وعلى مدى الزمان جعل الله القرآن لمحمد – صلى الله عليه وسلم – المعجزة الخالدة إلى قيام الساعة، وتحدى به الإنس والجن، على أن يأتوا بمثله، فعجزوا أن يأتوا بمثله، أو ما يدانيه، وإن العاقل اللبيب ليجد في هذا الكتاب الكريم من الفصاحة والبلاغة والجمال، ما لا يقدر عليه صاحب بلاغة ولا فصيح مهما بلغ في البلاغة والفصاحة، فسبحان من أكرمنا بهذا الكتاب العظيم، وجعله على أحسن الحروف، أحسن نظام ولفظ ومعان، فتعاليت يا ذا الجلال والإكرام.
وإعجاز القرآن الكريم، ليس شيئا جديدا، بل اعتنى به العلماء سلفا وخلفا، وبينوا وجه ذلك، وما وقفوا إلى ذلك الحد، بل ألفوا مؤلفات، وصنفوا مصنفات، ودونوا دواوين في هذا الموضوع، سوف سنتطرق على بعض منها عند ذكرنا أهم الدراسات السابقة قبل الإمام عبد القاهر الجرجاني - رحمه الله رحمة واسعة - وإن من أجود وأمتع تلك المصنفات، وأنفس المختصرات في هذا البال – باب الإعجاز – هذه الرسالة "الرسالة الشافية"،
أهمية الموضوع:
والموضوع الذي سأتحدث فيه في هذا العرض المتواضع، مع الاعتراف بقليل الزاد في عالم البلاغة، أتى نتيجة عن اقتراح علي من قبل فضيلة الدكتور/ عبد الله الرشدي، أستاذ اللغة العربية بمؤسسة دار الحديث الحسنية، وهو: "مفهوم الإعجاز عند الإمام عبد القاهر الجرجاني من خلال الرسالة الشافية"
فعلا والموضوع موضوع شريف القدر عالي الشأن، عظيم البرهان، موضع في غاية الأهمية، وذلك لتعلقه بأعظم الكتاب، القرآن الكريم، ومما يدل على أهمية هذا الموضوع أيضا، إن الإعجاز أول ما ظهر للثقلين منذ بدء الوحي قال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)([2])، فكان أحدث صدمة نفسية لكل مستمع، فتحداهم الله حيث قال: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا )([3])
وبمجموع كل ما أدركت في أهمية الموضوع، جعلني أرغب فيه، وأقبل إليه إقبال الظمآن إلى الماء، متيقنا أنني قبل نهاية هذا العرض سأنال فكرة مبدئية في هذا الفن الذي هو الإعجاز ووجوهه، والاستفادة منه.
ولا يفوتني الوقت، إلا وأقدم أجزل الشكر بصفة عامة إلى مؤسسة دار الحديث الحسنية، متمثلة في جميع منسوبيها، وعلى رأسهم مدير المؤسسة، وأخص بالشكر أستاذي وأبي وشيخي الذي أرشدني إلى هذا الموضوع، الأستاذ المبجل الدكتور عبد الله الرشدي، جزاه الله خير الجزاء.
خطة بحثي:
وبعد اعتكافي على كتاب "الرسالة الشافية"، بالقراءة وإعادة القراءة، والاطلاع على جوانب أخرى لها علقة بالموضوع، عثرت على كمية من الفوائد والمعلومات والأفكار في دفتري المسودة، إثر ذلك  تبين لي أن أسيّر  البحث على الخطة التالية: مقدمة  ومبحثين، وخاتمة، وقد بسطتها على نحو الآتي:
·       المقدمة، سوف أبين فيها ما يلي:
-     أهمية الموضوع، خطة البحث، والطبعة التي اعتمدتها في العمل.
·       المبحث الأول مقدمات أولية: تحته ثلاثة مطالب.
-     المطلب الأول: التعريف بالإمام عبد القاهر الجرجاني471 هـ.
-     المطلب الثاني: قيمة الرسالة ومنهج الإمام فيها.
-     المطلب الثالث: تعريف الإعجاز.
·       المبحث الثاني الإعجاز عند الإمام عبد القاهر الجرجاني471هـ، وتحته ثلاثة مطالب.
-     المطلب الأول: الدراسات السابقة.
-     المطلب الثاني: عمله في الرسالة الشافية.
-     المطلب الثالث: دور الإمام في قضية الإعجاز بصفة عامة، وبيان مفهوم الإعجاز عنده.
·       الخاتمة.
الطبعة التي اعتمدت عليها:
إن الطبعة التي بين يدي الآن لإنجاز هذا العمل المتواضع، هي طبعة دار الغريب للطباعة والنشر والتوزيع، شرح وتفسير الدكتور/ عبد القادر حسين، المعنون لها بعنوان: الرسالة الشافية في الإعجاز، تأليف إمام البلاغيين عبد القاهر الجرجاني، شرح وتفسير مع دراسة في وجوه الإعجاز، الدكتور عبد القادر حسين. وتتكون هذه الطبعة من مائة وسبع عشرة صفحة.
أسأل المولى عز وجل أن ييسر لي جمع الشتات، وينير لي المسالك الموصلة إلى البغية، إنه قادر على ذلك.

-     المطلب الأول: التعريف بالإمام عبد القاهر الجرجاني471 هـ.
-     المطلب الثالث: قيمة الرسالة الشافية، ومنهج الإمام فيها.
-     المطلب الرابع: تعريف الإعجاز.



هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني ولد بجرجان سنة 400 هـــ أخذ النحو عن أبي الحسين محمد الفارسي وكان من كبار أئمة العربية والبيان، فقيها على مذهب الشافعية، والحق أن الإمام عبد القاهر كان شخصية فذة ومن الشخصيات التي وقفت على أسرار البيان العربي ودقائقه.
وله مصنفات عدة منها: أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز، والرسالة الشافية في إعجاز القرآن، والعمدة في التصريف، وله كتاب المغني في شرح الإيضاح في النحو لأبي على الفارسي ثلاثون مجلدا....
وكان عبد القاهر مغرما بالكلام على إعجاز القرآن، حيث قيل إنه ألف فيه خمسة كتب، هي([5]):
1- المقتضب في شرح كتاب الواسطي في الإعجاز.
2- المعتَضِد في شرح كتاب الواسطي السابق، وهو أكثر تطويلا من الشرح السابق، وشرح الجرجاني لكتابي الواسطي في كتابين، أحدهما مختصر، والثاني مطوّل، يدل على إعجاز الجرجاني به. والشرحان السابقان مفقودان، وأصلهما – كتاب الواسطي – مفقود أيضا.
3- الرسالة الشافية في إعجاز القرآن: وهي مختصرة، كتبها الإمام عبد القاهر ليثبت بها حقيقة الإعجاز، لا ليبين أسراره، وليرد على المعتزلة الذين ذهبوا إلى القول بأن القرآن معجز بالصرفة، وقد نقض في رسالته القول بالصرفة. وقد حقق الرسالة الشافية الدكتور محمد خلف الله أحمد والدكتور محمد زغلول سلام، ونشراها ضمن رسالتي الخطاب والرماني، في كتاب "ثلاث رسائل في إعجاز القرآن" وحقق الرسالة أخيرا المحقق الأديب محمود شاكر – رحمه الله – وألحقها بكتاب الجرجاني الذي حققه "دلائل الإعجاز"
4- أسرار البلاغة: لم يخصص عبد القاهر هذا الكتاب للحديث عن الإعجاز، وإنما تحدث فيه عن البلاغة ووجوهها وأساليبها وكيفية فهمها وتذوقها، لكن حديثه فيه عن الإعجاز البياني ونظم القرآن واضح.
5- دلائل الإعجاز: أدار عبد القاهر كتابه على مسألة إعجاز القرآن، وفصل فيه القول بنظرية "النظم القرآني" وشرحها وناقش فيها، وعرض الأمثلة والنماذج عليها. وهذا الكتاب، مرجع لكل الدارسين بعد الجرجاني، لتقرير الإعجاز بنظم القرآن أوضحه الجرجاني.
قال عنه السيوطي([6]):كان من كبار أئمة العربية والبيان، شافعيا، أشعريا، صنف المغني في شرح الإيضاح، المقتصد في شرحه، إعجاز القرآن الكبير والصغير، الجمل، العوامل المائة، العمدة في التصريف، وغير ذلك.
مات سنة 471 هـــ رحمه الله رحمة واسعة.
ومن شعره:
كبر علىــ العلم يا خليليــ **** وملــ إلىــ الجهلــ ميلــ هائمــ
وعشــ حمارا تعشــ سعيدا **** فالسعد فيــ طالعــ البهائمــ



إن لرسالة الجرجاني قيمة علمية جليلة عند العلماء، ومما يدل على ذلك؛ أنه قد لا تجد كتابا من كتب التراجم يذكر الجرجاني إلا وينسب هذه الرسالة الشافية إليه.
ومن باب ملاحظتي الخاصة عند قراءة هذه الرسالة، تجلت لي قيمة الرسالة العلمية التي تتميز بها، اذكر بعضا منها:
·       صدر الرسالة بالمقدمة، خلافا للخطابي في رسالته "بيان دلائل الإعجاز"
·       أصول الأدلة التي يستشهد بها هي: الكتاب، السّنة، أقوال الصحابة، وأشعار العرب.
·       رتّب هذه الرّسالة ترتيبا واضحا، وقسمها إلى فصول.
·       كان الإمام عالما بأحوال الشّعراء، وتاريخهم، وطبقاتهم، وأفضلهم([7]).

لقد بين الإمام منهجه في وضع هذه الرسالة في صدر الكتاب، حيث قال: "قد تحريت فيها الإيضاح والتبيين، وحذوت الكلام حذواً هو بعرف علماء العربية أشبه، وفي طريقهم اذهبن وإلى الأفهام أقرب...([8])"
ومن منهجه، أسلوب المخاطبة للقارئ، كقوله: "اعلم([9])" وغير من أساليب المخاطبة، وكذلك يستعمل أسلوب القياس والتمثيل([10])، وفي المناقشة يستدل بأدلة عقلية، وهذا يناسب مع المتكلمين، وأسلوب السؤال، كقوله: "هل عرف، هل سمع" ويستعمل الإحالة في الحديث إلى شيء مضى كقوله: "وفي الذين قدَّمتُ في اول الجزء مفتتح هذه الرسالة ... ([11])".



الإعجاز لغة:
العجز، يقال: عجز عن الشيء عجزا من باب ضرب، ومعجزة بالهاء وحذفها ومع وجه فتح الجيم وكسرها ضعف عنه وعجز عجزا من باب تعب لغة لبعض قيس عيلان، ذكر أبو زيد وهذه لغة غير معروفة عندهم. ... وفيها أربع لغات: فتح العين وضمها ومع ركل واحدة ضم الجيم وسكونها، والأفصح وزان رجل، والجمع أعجاز، والعَجُز من كل شيء مؤخرة ويذكر ويؤنث.([12])
وقال ابن منظور في لسان العرب: العجز: نقيض الحزم عجز عن الأمر يعْجِز وعَجِز عَجْزا فيهما، ورجل عَجِز وعَجُز عاجِزٌ .... ويقال أعْجَزتُ فلانا إذا ألفَيته عاجزا، والمَعْجِزةُ والمعجَزَةُ العجْز، قال سيبويه: هو المعْجِز والمعْجَزُ بالكسرة على النادر والفتح على القياس لأنه مصدر والعَجْزُ الضعيف تقول عجَزتُ عن كذا أعجِز، وفي حديث عمر ولا تُلِثُّوا بدار مَعْجِزَة أي لا تقيموا ببلدة تَعْجَزُون فيها عن الاكتساب والتعيش وقيل بالثَّغْر مع العيال، والمعجزة بفتح الجيم وكسرها : مفعلة من العَجز: عدم القدرة، وفي الحديث" كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" وقيل أراد بالعَجز: ترك ما يحب فعله بالتسويف، وهو عام في أمور الدنيا والدين.([13])
ومقتضى آخر الكلام فيما ساقه صاحب اللسان أن العجز أعم من أن يكون ضعفا وانعدام قدرة، وإنما يمكن أن يعني ترك الأمر تسويفا، مما يفهم منه أن ما ترك في حيز القدرة عليه، لكن  الباعث على تركه هو الكسل الحامل على التأجيل والتسويف.
وهنا يقول د . محمد السيد راضي جبريل: لكن لنا في أصالة معنى العجز في الدلالة على عدم القدرة، وأن ترك الفعل عجزاً إنما يكون لعدم القدرة عليه في الأصل([14]):  في ذلك حديث رسول صلي الله عليه وسلم:( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ والبخل والجبن وضَلَع الدين، وغلبة الرجال)([15]).
قال ابن حجر رحمه الله تعالي([16]): (إن الهم :لما يتصوره العقل من المكروه في الحال، والحزن لما وقع في الماضي، والعجز ضد الاقتدار، والكسل ضد النشاط)
فالجمع في الحديث بين الاستعاذة من كل من العجز والكسل فيه دلالة على تغاير المعنى فيهما، فالأول عدم القدرة والثاني عدم النشاط والنهوض للأمر.
وعليه فالإعجاز: هو جعل من يقع عليه أمر التحدي بالشيء عاجزاً عن الإتيان به، ونسبته إلى العجز، وإثباته له، فالإعجاز بالنسبة للمعجز هو الفوت والسبق، يقال أعجزني فلان أي: فاتني ،وبالنسبة للعاجز عدم القدرة على الطلب والإدراك (وقال الليث:أعجزني فلان إذا عجزت عن طلبه وإدراكه)([17])
وقد وردت عدة صيغ واشتقاقات لمادة "العجز" في القرآن الكريم، وكان مجموع ورودها ستا وعشرين مرة([18]).
والصيغ والاشتقاقات والتصريفات التي وردت فيها هي:
1.   الفعل الماضي الثلاثي "عَجَزَ":
ورد الفعل الماضي الثلاثي "عجز" مرة واحدة مسبوقا بهمزة الاستفهام. قال تعالى: (فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) ([19])
في الآية ابن آدم عجزه عن التصرف بجثة أخيه القتيل.
2.   الفعل المضارع "يُعْجِزُ" من الماضي الرباعي "أعجَزَ":
ورد الفعل المضارع "يُعْجِزُ" وهو من الماضي الرباعي "أعجز" أربع مرات:
-     مرتين في آية واحدة في سورة الجن، قال تعالى: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً) ([20])
في هذه الآية الجن يعبرون بعدم قدرتهم على إعجاز الله تعالى في الأرض ولا في الفضاء.
-     المرة الثالثة قوله تعالى: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ) ([21])
في هذه الآية يبين الله أن الكفار لا يعجزون الله، وإنما هم عاجزون، ضعفاء أمام الله.
-  المرة الرابعة قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) ([22])
في هذه الآية أخبر الله أنه لا يعجزه شيء في هذا الوجود.
ويمكن أن نستنبط من هذه المرات الأربعة ما يلي:
مادة "العجز" في صيغة الفعل المضارع كلها مشتقة من الفعل الماضي الرباعي "أعجز"، وأن المضارع فيها منفيٌ، وأن المرات الأربعة واردة في سياق المعركة بين الحق والباطل، وأنها تقرر حقيقة عدم قدرة المخلوقات كلها على تعجيز الله، وأنها كلها عاجزة ضعيفة أمام قوة الله عز وجل.
3.   "عجوز" بصيغة مبالغة من الفعل الثلاثي "عَجَزَ".
وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم أربع مرات:
-  مرتين في الحديث عن امرأة إبراهيم عليه السلام، العجوز المؤمنة. قال تعال: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) ([23]) وقال تعالى: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) ([24]).
نلاحظ في الآيتين أن كلمة "عجوز" مرفوعة، لأنها خبر وهي في سياق تكريم الله لهذه العجوز المؤمنة. فسبحان من أنزل هذا الكتاب وجعله في غاية الإعجاز.
-  ومرتين في الحديث عن امرأة لوط عليه السلام، العجوز الكافرة. قال تعالى: (إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ) ([25]) وتقررت نفس الآية في سورة (الصافات : 135 ).
نلاحظ في الآيتين أن كلمة "عجوز" منصوبة على الاستثناء، فهي مستثناة من أهل لوط المؤمنين الناجين، وذلك لكفرها.
4. كلمة "أعجاز": أعجاز جمع، مفره "عجز"، وأعجاز الأشياء أواخرها. وقد وردت في القرآن مرتين، وهي في المرتين مضافة إلى النخل، وهي سياق واحد وهو سياق الحديث عن هلاك قوم عاد.
-     قال تعالى: (تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ)([26])
-     وقال أيضا: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ)([27])
5. كلمة "مُعاجزين" جمع "مُعاجز" وهو اسم فاعل من الفعل الماضي الرباعي "عاجز" والألف في الكلمة تسمى "ألف المفاعلة". وهي تدل على المشاركة. وقد وردت في القرآن ثلاث مرات:
-     قال تعالى: (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) ([28])
-     قال تعالى: (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ) ([29])
-     قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) ([30])
جاء هذه الكلمة في المواضع الثلاثة "حالا" منصوبا، وصاحب الحال هم الكفار الذين يحاربون الله، ويريدون أن يعاجزوا الله ويغلبوه.
والنتيجة من معاجزتهم لله وآياته ودينه هي عجزهم هم، وهزيمتهم هم، وانتصار الله وأوليائه. إن الله هو الغالب.
6. كلمة "مُعجِز" معجز اسم فاعل من الفعل الرباعي أعجز. وقد وردت في القرآن مرة واحدة على لسان الجن الذين استمعوا القرآن من رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فآمنوا به وتولوا إلى قومهم منذرين، وطلبوا منهم الإيمانه.
-     قال تعالى: (وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) ([31])
وفي هذه الآية تقرير أن الكافر لن يكون معجزا لله في الأرض.
7. كلمة "معجزين" هي جمع كلمة "معجز" التي هي اسم فاعل من "أعجز" وقد وردت هذه الكلمة إحدى عشرة مرة في القرآن الكريم:
-     قال تعالى: (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) ([32])
-     قال تعالى: (فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ) ([33])
-  قال تعالى: (وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ([34])
-     قال تعالى: (وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ) ([35])
-  قال تعالى: (أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ) ([36])
-     قال تعالى: (قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) ([37])
-     قال تعالى: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ) ([38])
-     قال تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ([39])
-     قال تعالى: (وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) ([40])
-     قال تعالى: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ) ([41])
-     قال تعالى: (وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)([42])
إذا نظرنا إلى هذه المرات الإحدى عشرة نجد أنها كلها وردت في سياق واحد، هو محاربة الكفار لدين الله، وظنهم أنهم بذلك يعجزون الله فنفت الآيات عنهم تعجيزهم لله ووردت في المرات كلها في سياق النفي.
وكلام أهل اللغة في معناها يدور حول الضعف، وعدم القدرة على النهوض بالأمر، وكذلك القعود عما يجب فعله.
الإعجاز في الاصطلاح:
والإعجاز في الاصطلاح له عدة تعريفات أذكر منها ما يأتي:-
أ‌-  قول الإمام عبد القاهر الجرجاني  في كتابه ( التعريفات): الإعجاز هو " أنْ يؤدي المعنى بطريق، هو أبلغ من جميع ما عداه من الطرق"([43])
ب‌- وقد عرَّفه مصطفى صادق الرافعي بقوله: "وإنما الإعجاز شيئان:
1- ضعف القدرة الإنسانية في محاولة المعجزة، ومزاولته على شدة الإنسان واتصال عنايته.
2- ثم استمرار هذا الضعف على تراخي الزمن وتقدمه. فكأنَّ العالم كله في العجز إنسان واحد، ليس له غير مدنه المحدودة بالغة ما بلغت"([44]) 

-     المطلب الأول: الدراسات السابقة
-     المطلب الثاني: عمله في الرسالة الشافية.
-     المطلب الثالث: دور الإمام في قضية الإعجاز بصفة عامة، مع بيان مفهوم الإعجاز عنده.



قد مضى على بحث "إعجاز القرآن" أكثر من اثني عشر قرنا هجريا، وسيبقى يبحث فيه حتى قيام الساعة. وظهر في القرون السابقة العديدُ من العلماء تحدثوا عن إعجاز القرآن، وألف فيه العديدُ من الرسائل والكتب، قُدِّم فيها الكثير من الآراء والنظريات والتحليلات([45]).
وسأذكر فيما يلي أشهر من تكلموا في إعجاز القرآن من القرن الثالث إلى القرن العاشر، وكما أن سبيلنا في هذه العجالة هو ذكر أهم الدراسات السابقة قبل الإمام عبد القاهر الجرجاني، لذا سأقتصر على سرد أسماء ما بعد القرن الخامس دون التطرق إلى تفصيل.
وقبل كل ذلك، أود أن أقف مليا على الصحابي الجليل، المؤسس لمدرسة علم التفسير بمكة، لأن الفضل مما نحن بصدده الآن راجع إلى تلك المدرسة، إلى ذلك الرجل: عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – أعلم الصحابة بالقرآن، وكيف لا؟ قد دعا له النبي – صلى الله عليه وسلم – حيث قال: "اللهم علمه التأويل، وفقه في الدين"، لقد كان لهذا النجم جهود كبيرة في وضع اللبنة الأولى لعلوم الإعجاز، لكونه كوّن مجموعات من الطلبة حملوا التفسير من بعده. مثل مجاهد وقتادة، وهذا كله لا يعني أن ابن عباس كان له يد مباشرة في علوم الإعجاز .! بل إنما كان ممهدا له.
ولنسلك سبيلنا إلى ما نحن قاصدوه:
القرن الثالث: من أشهر من تكلم في الإعجاز:
-  الفراء([46]): (144 – 207) العلامة صاحب التصالبيف، أبو ذكريا، يحيى بن زياد عبد الله الأسدي الكوفي النحوي، قيل عرف بالفراء لأنه كان يفري الكلام أي يصلحه يأتي بالعجيب منه.
كتابه الذي ضمن إشارات في الإعجاز اللغوي هو "معاني القرآن" وهو مطبوع.
-  أبو عبيدة([47]): (110 -209) العلامة البحر أبو عبيدة مَعْمر بن المثنى، التيمي بالولاء، البصري النحوي، كان متوسعا في علم اللسان، وأيام الناس، حتى قيل عنه بأنه أعلم من في الأرض فيهما.
قال عنه الجاحظ: لم يكن في الأرض جماعي ولا خارجي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة. وكتابه في الموضع: "مجاز القرآن" وهو مطبوع.
-  الجاحظ: (159 – 255) هو عمرو بن بحر بن محبوب الملقب بالجاحظ، كان له كلام جليل في الإعجاز، وهو ممن صرح بلفظ المعجزة والإعجاز في أكثر من كتاب له. لقد وضع بذورا لنظرية الإعجاز التي تطورت فيما بعد.
-     ابن قتيبة([48]): وهو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الدينوَري، كان رأسا في علم اللسان العربي، توفي سنة 276 هــ
هو من أئمة أهل السنة، ألف كتابين مهمين يُعدان ممهدين لعلم الإعجاز اللغوي، وهما: "تأويل مشكل القرآن" و "غريب القرآن". في هذين الكتابين إشارات مبثوثة إلى الإعجاز([49]).
-  وفي أواخر هذا القرن الهجري وضع أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطي المتوفى سنة 306هـــ‍ ، كتابا سماه (إعجاز  القرآن في نظمه وتأليفه) وذكر البعض، أنه أول من صنف في الإعجاز اللغوي، نظرا إلى تقدمه في المجال.
القرن الرابع: من أشهر من تكلم في الإعجاز:
هذا القرن اشتهر بقرن تأسيس أفكار وآراء أصيلة حول الإعجاز قدمها عالمان متمكنان: الخطابي والرماني.
-  الرماني: (296 – 384) أبو الحسن علي بن عيسى الرماني، وهو من أئمة الاعتزال، قد ألف في الإعجاز رسالة أسماه "النكت في إعجاز القرآن" ذكرها في مطلع تلك الرسالة أن وجوه الإعجاز في سبع جهات: (ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة ، والتحدي للكافة ، والصرفة ، والبلاغة ، والأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة ، ونقص العادة، وقياسه بكل معجزة)([50]).
-  الخطابي([51]): (319 – 388) وهو العلامة الحافظ اللغوي أبو سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم السبتي الخطابى، من أئمة أهل السنة ألف رسالة بعنوان: (بيان إعجاز القرآن)
له كتابان يتعلقان بالقرآن: "معالم التنزيل" ورسالته التي أسماها: "بيان إعجاز القرآن" وهذه الأخيرة من أوائل الرسالة المؤلفة في إعجاز القرآن يقول الخطابي فيها: "واعلم أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمنا أصح المعاني، من توحيدٍ له عزت قدرته، وتنزيهٍ له في صفاته، ودعاءٍ إلى طاعته ....([52])"

القرن الخامس: من أشهر من تكلم في الإعجاز:
واشتهر هذا القرن بقرن توسيع القول في الإعجاز القرآن وبسط الأدلة عليه، وتفصيل القول في وجوهه، وفي هذا القرن ظهر علماء كبار منهم:
-     القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن خليل بن عبد الله الهمداني، شيخ المعتزلة. المتوفى سنة415 هـ من مؤلفاته: تثبيت دلائل النبوة، وتنزيه القرآن عن المطاعن.
-  القاضي أبو بكر الباقلاني: المتوفى سنة 403 هـ وهو من أئمة أهل السنة، شيخ الأشاعرة. ألف كتابا في الإعجاز، أسماه "إعجاز القرآن" يعد هذا الكتاب أول ما جمع في بابه يصنفه إما من أئمة أهل السنة.
بدأ الباقلاني هذا الكتاب ببيان شرف القرآن وبين أن نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – معجزتها القرآن، وأهمية الكشف عن وجوه إعجازه، وذكر أن القرآن معجزة للجن والإنس. وذكر فيه أن وجوه الإعجاز عند أصحابه وغيرهم في القرآن الكريم ثلاثة:
أ‌-     الإخبار عن الغيوب.
ب‌-           معرفة كتب المتقدمين، وأقاصيصهم، وأنبائهم، وسيرهم.
ت‌-           أن القرآن بديع النظم، عجيب التأليف، متناهٍ في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه.([53])
-  القاضي عبد الجبار أحمد بن خليل بن عبد الله المتوفى سنة 415 ه، أفرد من كتابه (المغنى في أبواب التوحيد والعدل) البالغ عشرين جزءاً، الجزء السادس عشر في الحديث عن إعجاز القرآن.
-  ابن حزم الظاهري المتوفى سنة 456 ه، صنف (الفصل في الملل والأهواء والنحل) تحدث – في الفصل السادس - عن عدد من وجوه الإعجاز.
-  في القرن الخامس صنف أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانى المتوفى سنة 471 ه‍، صنف كتابه: (دلائل الإعجاز). وصنف أيضا ( الرسالة الشافية في إعجاز القرآن) بين فيها  موقف العرب المعاصرين لنزول القرآن من أمثال الوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة وغيرهما ممن أقروا راغمين أن القرآن ليس من كلام البشر. وهذا الكتاب هو المقصود في هذا البحث المتواضع، إن شاء الله.
وهنا أواصل سيري مع مسيرة إعجاز القرآن عبر التاريخ الإسلامي إلى القرن العاشر إلا إنني سأكتفي بسرد القائمة فقط دون التعرض للتفاصيل، كما أشرت إلى ذلك عند مطلع هذا المطلب.
القرن السادس: من أشهر من تكلم في الإعجاز:
في هذا القرن تكلم عن الإعجاز كل من:
-     الزمخشري. المتوفى سنة 538ه
-     القاضي عياض. المتوفى سنة 544هـــ
-     ابن رشد الأندلسي. المتوفى سنة 595هــ
القرن السابع: من أشهر من تكلم في الإعجاز:
-     السكاكي. المتوفى سنة 626ه
-     الآمدي. المتوفى سنة 631ه
-     البيضاوي. المتوفى سنة 685ه وقيل 691
القرن الثامن: من أشهر من تكلم في الإعجاز:
-     ابن تيمية. المتوفى سنة 728ه
-     ابن كثير. المتوفى سنة 774ه
-     الشاطبي. المتوفى سنة 790ه
القرن التاسع: من أشهر من تكلم في الإعجاز:

-     الفيروزابادي. المتوفى سنة 817ه
القرن العاشر: من أشهر من تكلم في الإعجاز:
-     السيوطي. المتوفى سنة 911ه
-     زكريا الأنصاري. المتوفى سنة 926ه
-     الخطيب الشربيني. المتوفى سنة 977ه
هذا تلخيص موجز لمسيرة إعجاز القرآن عبر التاريخ الإسلامي من القرن الثالث إلى القرن العاشر.




ألف الإمام عبد القاهر الجرجاني رسالته هذه لغرض مهم جدا، وهو إثبات عجز العرب في إتيانهم بمثل القرآن أو ما يدانيه على الأقل، مع العلم أن القرآن الكريم منزل في كلام العرب ولغتهم - بلسان عربي مبين -، إذن فمن اللوازم الوقوف على كلام العرب، الذي تعلق به القرآن الكريم ونزل به، ووقع فيه التحدي، للوصول من وراء ذلك إلى سر إعجاز القرآن الكريم وروعة بيانه ونظمه، وأفاد أن المعتد به هو عجز العرب المقدمين لا المتأخرين من الخطباء والبلغاء، فعلى هذا الأساس يبدأ الإمام هذا الصراع بالنظر أولا في دلائل أحوال العرب ثم في دلالة الأقوال عندما سمعوا القرآن وتُحُدوا بأن يأتوا بمثله إن كان فعلا قادرين على ذلك.
أولا: دلائل الأحوال([54]):
        أن من الأمر المتعارف عليه الذي يعرفه حتى العوام، أن من عادات الناس ألا يسلموا لخصمهم مزية وفضيلة، وهم يقدرون على دفعها، فقد يعلم خطيب أو شاعر أو كاتب أن كاتبا في الأقاليم البعيدة، يقول خطبة فتدفعه الغيرة إلى منافسته ، وإظهار ما عنده من القوة والملكة مهما امتدت المسافات فكيف وإن كان ذلك الخصم أمامه! لا ريب أن ذلك أحوج إلى أشنع المعارضة، وإلى إظهار ما يدخره من القدرة، فيسعى جاهدا في إخراسه وقمعه، وإسقاطه في نحره.
من أحوال الشعراء يقول([55]) "وقد عرفت قصة جرير والفرزدق وكل شاعرين جمعهما عصر، ثم عرض بينهما ما يهيج على المقاولة، ويدعو إلى المفاخرة والمنافرة، كيف جدّ كل واحد منهما في مغالبة الآخر، وليف جعل ذلك همّه وكدَّه، وقصر عليه دهره هذا وليس به ولا يخشى إلا أن يقضى لصاحبه بأنه أشعر منه، وأن خاطره أحدُّ، وقوافيه أشرد، لا ينازعه ملكا ولا يفتئت عليه بغلبته له حقا ولا يلزمه به أتاوة ولا يضرب عليه ضريبة ........."
في هذه القصة، يذكر الإمام أن جرير والفرزدق، كانا في عصر واحد، وقد عرض بينهما ما يدعو إلى المفاخرة، فجد كل واحد منهما في مغالبة الآخر وإسكاته وإسقاطه وإخراسه، بأي وسيلة كانت، مخافة أن يقول إن خصمه أشعر منه، وهذا أمر بين شخصين لا يود أحدهما سوى المباهاة والفوز بما يجري على الألسنة من ذكره الفضل فقط.
فإذا كان هذا هو طبيعة الحال بين الناس، فكيف بقريش ذوي الأنفس الأبية والهمم العلية، والأنفة، والعزة، والهمة، فهل يعقل أن ترضى بالقعود عن معارضة القرآن ومعارضة من يدعي النبوة، وأنه خاتم الأنبياء ثم يقول: ( وحجتي أن الله تعالى قد أنزل علي كتابا عربيا مبينا تعرفون ألفاظه، وتفهمون معانيه، إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله، ولا بعشر سور منه، ولا بسورة واحدة، ولو جهدتم جهدكم، واجتمع معكم الجنُّ والإنسُ )([56]) مع إمكانيتها للرد ؟؟؟ !!! لا، لا يطيق أي واحد الوقوف أمام خصمٍ يسعى لهدم دينه والقضاء أسرته ومعه شاهد ودليل على تكذيبه، ويقول تركت ذلك تهاونا ؟؟؟ لا يقول بذلك حتى فاقد الوعي، فضلا أن يكون عاقلا. وإنما الحقيقة التي يقبلها جميع العقلاء أن قريشا فشلت، وعجزت عن الإتيان بآية من مثله فمالت إلى أساليب العنف والحرب.
ثانيا: دلائل الأقوال الصريحة ([57]):
        هنا ينقل الجرجاني أدلة قولية وقد صرح بأنها كثيرة، حيث قال: "وأما الأقوال فكثيرة" كلها تثبت إعجابهم ببلاغة القرآن، وتصريح بعجزهم عن معارضته.
أذكر منها حديث الوليد بن عقبة حين أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقرأ عليه قوله تعالى: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) ([58]) فقال: أعد، فأعاد، فقال: " والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمعرق، وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر"([59]).
والإمام عبد القاهر بيّن أن عجزهم عن المعارضة يفيء لأحد أمرين:
1-        إما أن يكونوا قد علموا المزية التي ذكرنا أنهم علموها على الصحة.
2-        وإما أن يكونوا توهموها في نظم القرآن، وليست هي فيه لغلط دخل عليهم. ([60])
والنتيجة الذهبية من هذه الأدلة – أدلة الأحوال والأقوال -: أن الأمر إذا كان كذلك فقد انتهى الشك بأن القرآن غير معجز وغير ناقض للعادة، بل هو معجز مثل قلب العصا حية، وإحياء الموتى في ظهور حجته على الخلق جميعا.
فهنا سؤال يطرح نفسه وهو: لماذا قدم الإمام الجرجاني دلالة الأحوال على دلالة الأقوال؟
لعل الجواب الشافي لهذا السؤال هو: أن الإمام الجرجاني قدم دلالة الأحوال على دلالة الأقوال لسبب تراءى له: وهو أنه يكتب هذه الرسالة للمسلمين، ولغير المسلمين، فبدأ حديثه للمجادلين من غير المسلمين، أو للمسلمين المجادلين، وربط النتائج بالمقدمات بحديث منطقي يقلبه العقل.
ثم ينتقل الإمام عبد القاهر إلى دحض شبه الذي يقوله قوم من الأشقياء الذين مرضت قلوبهم من أن العرب وهو قولهم: أنه يوجد في كل عصر وزمان الأقوام الذين لا يُبارون، ولا يُجارون، وذكر بعض الشعراء والناثرين، مثل امرئ القيس – شاعر الجاهلية، والجاحظ أمير البيان، وغيرهما ([61]).
يرد الإمام الشبه بأن لهم في هذا الباب خبطٌ وتخليطٌ لا إلى غاية، وإنما هي نفخة نفخها الشيطان فيهم، وقد ردّ عليهم في هذا ردا قاطعا، وأثبت ما يُظهر ضعف هذا القول، وأجاب استدلالهم بامرئ القيس أنه قد وجد في زمانه من ينافسه ويعارضه، الذي هو علقمة "حيث قال وهو مستعد للمماتنة: إني فاعل، والحكَم بيني وبينك المرأة([62]) من ورائك"، ماذا كانت نتيجة المماتنة ؟ تفضيل المرأةُ علقمةَ على امرئ القيس.
وقد جرى بين امرئ القيس والحارث اليشكري أمر مثل هذا، وفي نهاية المطاف استسلام أيضا امرؤ القيس لخصمه حيث قال: "لا أمانتك بعد هذا"([63]).

ثم يرد على شبهة من زعم أن عجز العرب لم يكن لأجل أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل القرآن، ولكن العجز الذي ظهر فيهم لأنهم تُحُدُّوا بأن يأتوا بنظم في مثل معاني القرآن الكريم، ومعلوم أن معاني القرآن الكريم لم تكن ممكنة لديهم، ولا يصح التحدي إلا بما يتصور وجوده.
يقول في الرد عليهم:([64]) "واعلم أنهم في هذا كرام قد أضل الهدف، وبان زال عن القاعدة، وذلك أنه سؤال لا يتجه حتى يقدر أن التحدي كان إلى أن يعبروا عن معاني القرآن الكريم أنفسها وبأعيانها بلفظ يشبه لفظه، ونظم يوازي نظمه وهذا تقدير باطل، فإن التحدي كان إلى أن يجيئوا في أي معنى شاءوا من المعاني بنظم يبلغ نظم القرآن الكريم في الشرف أو يقرب منه، يدل ذلك قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)([65])، أي مثله في النظم، وليكن المعنى مفترى لما قلتم فلا إلى المعنى دعيتم ولكن إلى النظم، وإذا كان كذلك كانت شبهتكم على غير أساس.
يناقش الإمام الجرجاني في نهاية رسالته فكرة "الصرفة"([66]) حيث جعل القول فيها في فصل كامل توسع فيه وطول ، وقد بين عوارض هذا القول وتتبعه، وصرح بأن الذي ابتدأ القول بها ابتدأه على توهم([67]) قول في غاية البعد والتساقط، وقد ذكر اللوازم الباطلة التي تلزم القائلين بها؛ فمن اللوازم الذي ذكرها:
أن القول بالصرفة يلزم منه أن العرب قد تراجعت حالُها في بلاغتها، وفصاحتها بعد نزول القرآن.
ومن اللوازم أن كلام العرب قبل القرآن كان موازياً للقرآن من حيث نظمه، وفصاحته، وأن التعجب كان من المنع من المعارضة لا من بلوغ القرآن مرتبة عالية في الفصاحة، والبيان.
ومن اللوازم أن تكون أقوال العرب – شعرهم وخطبهم – من بعد نزول القرآن قاصرةً لا يُستشهد بها؛ لأنها ناقصة في البلاغة والبيان عن كلام العرب قبل نزول القرآن.
ومن اللوازم أن يحكموا للنبي بما حكموا للعرب من دخول النقص على بلاغتهم، وأن تكون النبوة قد أوجبت أن يمنع جز من بيانه.
ومن اللوازم أنه إن كانت العرب منعت  منزلة من الفصاحة قد كانوا عليها فيلزم أن يعرفوا ذلك من أنفسهم، ولو عرفوه لكان يكون قد جاء عنهم، ولكانوا قالوا للنبي: إنا كنا نستطيع قبل هذا الذي جئتنا بهن ولكنك قد سحرتنا، وصرفتنا...([68])
وقد ختم كلامه عن الصرفة بفصل تساءل فيه عن الداعي الذي دعا القائلين بالصرفة إلى القول بها، وأجاب عن ذلك إجابة ممتعة نافعة؛ فقال: نسألهم إن كنتم تصدرون عن علم؛ فمن أين أتاكم هذا العلم؟ أمن نظر أو من خبر؟ ورد على كلا الأمرين، ودحض قولهم - رحم الله الإمام رحمة واسعة -.
والظاهر في نظام هذه الرسالة أن الإمام الجرجاني كتبها ليثبت حقيقة الإعجاز القرآني، ويجعل سر الإعجاز مرتبطا بمعرفة أسرار النظم ودقائقه، ولقد أثبت أن المزية والوصف الذي كان به الإعجاز هو الفصاحة والبلاغة والبيان وأن هذه المزية ليست إلا حُسنُ الدلالة وتمامها في شكل رائع من النظم، وأنه لا مزية للعبارة على الأخرى إلا بقوة دلالتها على الغرض المقصود، وذلك راجع إلى النظم .....



لقد تصدى الإمام عبد القاهر الجرجاني لقضية النظم في إعجاز القرآن الكريم، و فصل القول فيها وعرضها عرضا مستفيضا، ونقلها من نقطة الألفاظ إلى نقطة المعاني، ويقول بأنه لا يستطيع أحد أن يعرف إعجاز القرآن حتى يحسن تمييز أنواع النظم المختلفة وحسن فهمها، وهو يرى النظم قائما على مراعاة التلاؤم بين معاني الكلمات المفردة تلاؤما يساعد على أداء المعنى العام المقصود بجمال وقوة، ويتم نظم هذه المعاني نظما متلائما بالاستعانة بعلم النحو في معناه الواسع، فنحن لا نقدم ولا نؤخر في الكلام أو نقوم بعمل فيه فنستعمل المعاني والقواعد النحوية إلا لتخدم المعنى وتحسن سبكه، فتجيد التلاؤم بين المعاني والألفاظ، فالنحو بمعناه الواسع إذن خادم لنظم المعاني وليس خادما للألفاظ، وقد قصر الإمام الجرجاني عبد القاهر كتابه "دلائل الإعجاز" على شرح هذه النظرية وعرضها والرد على مخالفيها، ولعله في نصرة المعاني لمبالغة غيره في نصرة الألفاظ، ومن هنا لا يمكن أن ننكر دور الإمام الجرجاني في أنه مرَّن الفكر في جعله الإعجاز في شيء غير محسوس تماما، لقد ناصر فكرة النظم القائم على تلاؤم المعاني في خدمة الغرض العام المقصود تلاؤما يراعى فيه التصوير وحسن التعبير والصياغة([69]).

بعد إمعان النظر في عمل الإمام في هذه الرسالة، من أجل الوقوف على مفهومه للإعجاز، وفي جانب آخر العثور على فكرته فيها، تبيّن لي أن مفهوم الإعجاز عنده هو (النظم). حيث يقول:([70]) "إن الوجه الذي وقع به الإعجاز، وتحدوا به العرب هو الإتيان بمثل نظم القرآن الكريم"
وقد تتبعت قضية النظم عنده من خلال بعض مؤلفاته، فوجدته قد عرف النظم في كتابه "التعريفات" لغة واصطلاحا، حيث قال([71]):
النظم في اللغة: جمع الؤلؤ في السلك.
وفي الاصطلاح: تأليف الكلمات والجمل مترتبة المعاني متناسبة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل، وقيل: الألفاظ المترتبة المسوقة المعتبرة دلالاتها على ما يقتضيه العقل.
وهي العبارات التي تشتمل عليها المصاحف صيغة ولغة، وعقاب وهو باعتبار وصفه أربعة أقسام: الخاص، والتام، والمشترك، والمؤول، ووجه الحصر: أن اللفظ إن وضع لمعنى واحد فخاص، أو لأكثر، فإن شمل الكل، فهو العام، وإلا فمشترك، إن لم يترجح أحد معانيه، وإن ترجح فمؤول، واللفظ إذا ظهر منه المراد، يسمى: ظاهراً، بالنسبة إليه، ثم إن زاد الوضوح، بأن سبق الكلام، يسمى: نصاً، ثم إن زاد الوضوح حتى سقط باب التأويل والتخصيص يسمى: مفسراً، ثم إن زاد حتى سقط باب احتمال النسخ أيضاً يسمى: محكماً، والنظم الطبيعي: هو الانتقال من موضوع المطلوب إلى الحد الأوسط، ثم منه إلى محموله، حتى تلزم منه النتيجة، كما في الشكل الأول من الأشكال الأربعة.
وقد عرفه أيضا - في دلائل الإعجاز عند فقرة رقم (75) - بقوله([72]): "اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك في الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نُهجت وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تُخل بشيء منها".
أدرك عبد القاهر زمن الأدباء، وهم منقسمون حول اللفظ والمعنى: فمنهم من غالوا في الانتصار للفظ على المعنى، وجعلوا البلاغة مقصورة على اللفظ. ومنهم من غالوا في الانتصار للمعنى على اللفظ، فأسقطوا دور اللفظ في البلاغة.
فجاء وجمع بين الفريقين، ونادى باعتماد قيمة النظم التي تجمع بين اللفظ والمعنى، وتضيف لهما النظم، وتجعل عناصر أسياسية في البلاغة([73]).
وفي كتابه دلائل الإعجاز أورد تساؤلات عن وجه الإعجاز، وجاء بسبعة احتمالات، أبطل ستة منها، واعتمد الاحتمال السابع، ورجحه أنه هو الوجه المعتمد في الإعجاز. وتلك الاحتمالات الستة التي أبطلها([74]):
1- ليس الإعجاز في الكلمات من حيث حروفها، لأنّه من المحتمل أن يكون لحروف الكلمات صفتان :
صفة لها وهي خارج القرآن، وهي عادية مقدورة عليها .
وصفة لها وهي داخل القرآن، وتكون فيها معجزة مقدور عليها.
2- وليس الإعجاز أيضا في معاني كلمات القرآن التي لها بوضع اللغة، لأنّه من المستحيل أن تتجدد لمعاني كلمات القرآن صفات لغوية جديدة معجزة.
3- وليس الإعجاز في تركيب الحركات والسكنات على كلمات القرآن، فلم يكن المطلوب من الكافرين الإتيان بكلمات على وزن كلمات القرآن في حركاتها وسكناتها وتصاريفها.
4- وليس الإعجاز في المقاطع والفواصل في جمل القرآن، لأنّ هذا يعتمد على الوزن وحده، وكثيرا ما كان الشعراء يعارض بعضهم بعضا في أشعارهم، فيأتون بكلام جديد على نفس البحر والوزن والقافية.
5- وليس الإعجاز في خفة حروف على اللسان، لأن كثيرا من حروف كلمات البشر خفيفة على اللسان، وهناك حروف قرآنية ظاهرها ثقيل على اللسان، مثل حروف كلمة "اثاقلتم"، وحروف كلمة "أنلزمكموها".
6- وليس الإعجاز في آيات القرآن التي "استعارة" لأن الآيات التي فيها استعارة معدودة، ومعنى هذا نفي الإعجاز عن آيات الكثيرة التي ليس في استعارة.
وبعدما أن أبطل الإمام الجرجاني أن يكون الإعجاز في أحد الاحتمالات السابقة الستة، قرر أن الإعجاز إنما هو في نظم القرآن. الإعجاز عنده في النظم فقط.

ويقول الدكتور عمر محمد عمر باحاذق في مقدمة شرحه للرسالة([75]):
ونظرية النظم عند الإمام الجرجاني من النظريات الكبرى، وهذه النظرية لم تكن من اكتشافات الإمام عبد القاهر، ولا من اختراعاته، بل أمور قد سُبق إليها عند البلاغيين السابقين إن صح التعبير، بل إن بعضهم ألّف في نظم القرآن كالجاحظ، وإن كان الكتاب لم يُعثر عليه، بل إن جزئيات هذه النظرية تجدها مبعثرة عند كثير من السابقين على الإمام عبد القاهر، ولا نستبعد ولا نَبْعُد عن الصواب، إذا قلنا: إن أثر القاضي عبد الجبار في حديثه عن إعجاز القرآن كان له أكبر الأثر على الإمام عبد القاهر، ولكن وضعه نظرية مكتملة، ومفصلة، ومشروحة على هذا الوجه، ومدعومة بالأمثلة والشواهد، وفيها الكثير من الرد على القادحين فيها والطاعنين لم يتيسر لأحد من قبل الإمام عبد القاهر،فهو يرى أن إعجاز القرآن الكريم يعوج إلى نظمه، وتفصيل كلامه بوجه أوضح من خلال كتابه يقول: "إن العرب عندما تحداهم المولى عز وجل إلى جرس الحروف، ولا إلى مادة الكلمات، فإن هذه أمور متعارف عليها عندهم، فإن هذه أمور متيسرة عندهم، بل ولا إلى أن يأتوا بكلام خال من الغرابة والتنافر الوحشي، فإن هذه أمور لا تصعب عليهم بل في كلام وفق ما يقتضيه العقل على وجه يقع به التحدي، وحاديهم في ذلك وليلهم "هو توخي معاني النحو بين الكلم" ".
نقول توخي معاني النحو، وليس النحو إذ هنا فرق بين توخي الإعراب وبين توخي معاني الإعراب، إذ توخي الإعراب يتأتى لكل متكلم بالعربية على وجه صحيح، إذ يستطيع بمقتضى قواعدها أن يضبط أواخر الكلمات، هذا غير مقصود فلم يتحداهم إلى الإعراب، وإنما تحداهم إلى معاني الإعراب أو معاني النحو وبصورة أوضح لم يتحداهم في كتابه العزيز ويقول لهم: إني قد أتيت بالفاعل مرفوعا أو المفعول منصوبا لم يتحدَّهم بمثل ذلك، وإنما تحداهم "بكلام" كأنه يقول فيه: مفردات هذا الكلام مما هو مستخدم عندكم، وطريقة ضبطه كما تنطقونه وتضبطونه أنتم، لكني قد أتيتكم بنظم فيما بين مفرداته، وبتركيب وتنسيق بين مفرداته لا تستطيعون الإتيان بمثله، وهذا النظم والتأليف والترتيب والتركيب ليس مجرد جمع، لكن وفق ما يقتضيه العقل والنظر إلى حال المخاطب من الكلام، مع مراعاة معاني النحو أي معنى الحال، معنى الفاعل مثلا، معنى المفعول، معنى التمييز، معنى الجاز والمجرور، كيف توضع هذه المعني في موضعها اللائق بها، فلا تقديم ولا تأخير، ولا تعريف ولا تنكير، ولا وصل ولا فصل إلا وفق ما يقتضيه العقل مع مراعاة حال المخاطب، فكأنه يقول لهم: هذا كتاب بين أيديكم وقد أتاكم بلسان عربي مبين، إن استطعتم معارضة هذا القرآن بكامله، فأتوني به أو بعشر سور من مثله، بل إنني أتنازل معكم وأطلب معرضته بسورة من مثله وهذه السورة في حدِّ سورة الكوثر، فلم يتحدهم إلى مفردات ولا إلى بديع، لم يتحدهم إلى أي فن بلاغي بديعي أو بياني، فلم يتحدهم إلى أن يأتوا باستعارة أو كناية أو جناس أو طباق ..... بل تحداهم كما ذكرنا سابقا إلى نظم في مستوى نظم القرآن الكريم فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا ....

هذا ما تيسير لي جمعه، بعد تعب مرهق خلال دراستي لهذا الموضوع، مع كل ذلك لا يخلو من المآخذ، وقد أبى الله إلا أن يتم كتابه فقط. ولا عيب أن يلحق عمل المرء النقص، الكمال لله وحده، وفي الحقيقة إنني أحببت مادة البلاغة وذلك لما وجدت فيها من الذوق العلمي خلال هذا البحث، وأخيرا أرجو من الله العظيم الأجر وجزيل الثواب يوم الحشر، وأن يجعله لوجهه الكريم من خالص الأعمال، وأن لا يجعل حظي الخسران، وأن يعصمني في القول والعمل من زيغ الزلل وخطأ الخطل.


الخاتمة
تناول هذا البحث دراسة الإعجاز في الرسالة الشافية للإمام عبد القاهر الجرجاني، وحاول بيان المحاور العامة للرسالة، وتوضيح نظريته في الإعجاز، فخلصت أن مفهوم النظر عنده هو النظم، ووجدت أن التحدي والمعارضة والصرفة هي النقاط الرئيسة التي ناقشها في الرسالة، واستطعت الوقوف على بعض الدراسات السابقة، وفي الوقت نفسه عثرت على بعض الشخصيات الذين تكلموا عن الإعجاز من زمن التأسيس إلى الوقت الحضر.
ومرة أخرى أقول،كلما أمعنا النظر في الرسالة، نجدها رسالة جامعة ناجعة، مليئة بالفوائد، والقيم، والنكات البلاغية، والأساليب الأدبية، التي تكوِّن ملكة الطالب وتنمي مهارتها، وقد كتبها الإمام الجرجاني ليثبت فيها حقيقة إعجاز القرآن الكريم، وقد اشتملت الرسالة على عدة فصول، وقد ناقش فيها قضية الصرفة، وبالغ الكلام فيها وأطال، وذكر عدة مسائل في باب الإعجاز، وجعل الرسالة معنونة بـــــ: الرسالة الشافية، وفي الحقيق كانت شافية لمن في قلبه سقم، أو شك في إعجاز القرآن.
جزا الله الإمام عبد القاهر الجرجاني خير الجزاء، وأسكنه في فسيح الجنات.
ويبقى ما جئت به عرضة للقبول والرد، فأسأل الله عز وجل أن يجعل عملا مقبولا.




                       الطالب الباحث/ عثمان سنغاري.         
بمؤسسة دار الحديث الحسنية، السنة التحضير، السلك عالي المعمّق.


1- القرآن الكريم.
2- الصحيح البخاري.
3- فتح الباري، شرح صحيح البخاري، للإمام الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة 852 هـــ. دار المعرفة، بيروت لبنان.
4- لسان العرب. لابن منظور، المتوفى سنة 630 هــــ، دار المعارف.
5- المصباح المنير. للعالم العلامة أحمد بن محمد بن علي الفيومي المقرئ 770 هــ
طبعة بلَوَنَين ميَسَّرة. مكتبة اللبنان 1987م
6- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة. للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي 911 هــــ تحقيق/ محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الثانية 1979م دار الفكر.
7- الرسالة الشافية للإمام عبد القاهر الجرجاني، شرح وتفسير مع دراسة في وجوه الإعجاز الدكتور/ عبد القادر حسين. دار غريب.
8- عناية المسلمين بإبراز وجوه اِلإعجاز في القرآن الكريم. إعداد/ أ. د. محمد بن السيد راخي جبريل. أستاذ بكلية أصول الدين – جامعة الأزهر. مصر
9- إعجاز القرآن البياني ودلائل مصدره الرباني. الدكتور/ صلاح عبد الفتاح الخالدي. دار عمار للنشر والتوزيع/ عمان. الطبعة الأولى 2000م.
10-      كتاب التعريفات لإمام الجرجاني.
11-      إعجاز القرآن والبلاغة النبوية. لمصطفى صادق الرافعي. دار الكتاب العربي.
12-      سير إعلام النبلاء. للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي 748 هــ ، مؤسسة الرسالة.
13-      جهود العلماء في بيان الإعجاز القرآن العظيم. محمد بن موسى الشريف. الهيئة العالمية للإعجاز في القرآن الكريم، والسنة النبوية.
14-      ثلاث رسائل في إعجاز القرآن الكريم. للرماني، والخطابي، وعبد القاهر الجرجاني. تحقيق / محمد خلف الله أحمد، والدكتور زغلول سلام. طبعة دار المعارف بمصر، الطبعة الثالثة.
15-      إعجاز القرآن للباقلاني. لأبي بكر محمد بن الطيب. تحقيق/ السيد أحمد صقر، دار المعارف بمصر 2009
16-      شرح الرسالة الشافية في إعجاز القرآن الكريم. للإمام عبد القاهر الجاجاني
الشارح/ الدكتور عمر محمد عمر باحاذق. دار المأمون للتراث – الطبعة الأولى 1998م.
17-      كتاب دلائل الإعجاز للجرجاني. قراءه وعلق عليه أبو فهر محمود شاكر.

فهرس المحتويات:




[1] - سورة إبراهيم آية (7)
[2]- سورة علق 1
[3]- سورة الإسراء 88
[4] - نظرا لشهرته، وعملا بوصية الأستاذ حيث قال: إن الكتابة عن الإمام الجرجاني إهانة له وذلك لشهرته. لذا  أكتفت بهذا القدر البسيط، وإلا لو أراد الباحث أن يكتب في شخصية هذا النجم لاستغرق ورقات كثيرة.
[5] - إعجاز القرآن البياني ودلائل مصدره الرباني ص/ 93 - 93
[6] - بغية الوعاة/ 2 / 106
[7]- الرسالة الشافية ص/ 72
[8]- الرسالة الشافية ص/ 34
[9]- الرسالة الشافية ص/ 34، 52، 58 كثرة.
[10]- كما هو الحال في باب دلائل أحول العرب، من الرسالة الشافية ص/ 38
[11]- الرسالة الشافية ص/ 72
[12]  - انظر: المصباح المنير، ص 149
[13]  -  لسان العرب: مادة ( عجز)
[14]  - عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم ص/ 245
[15] - صحيح البخاري –  باب التعوذ من غلبة الرجال. رقم الحديث/ 6363.
[16] - في شرح الحديث في فتح الباري، باب الاستعاذة من الجبن والكسل /11/178
[17]  - لسان العرب مادة عجز
[18]- إعجاز القرآن البياني ودلائل مصدره الرباني ص/ 23 - 29
[19] - سورة المائدة آية (31)
[20] - سورة الجن آية (12)
[21] - سورة الأنفال آية (59)
[22] - سورة الفاطر آية (44)
[23] - سورة هود آية (72)
[24] - سورة الذاريات آية (29)
[25] - سورة الشعراء آية (171)
[26] - سورة القمر آية (20)
[27] - سورة الحاقة آية (7)
[28] - سورة الحج آية (51)
[29] - سورة سبإ آية (5)
[30] - سورة سبإ آية (38)
[31] - سورة الأحقاف آية (32)
[32] - سورة الأنعام آية (134)
[33] - سورة التوبة آية (2)
[34] - سورة التوبة آية (3)
[35] - سورة يونس آية (53)
[36] - سورة هود آية (20)
[37] - سورة هود آية (33)
[38] - سورة النحل آية (46)
[39] - سورة النور آية (57)
[40] - سورة العنكبوت آية (22)
[41] - سورة الزمر آية (51)
[42] - سورة الشورى آية (31)
[43] - كتاب التعريفات للإمام عبد القاهر الجرجاني في باب الألف.
[44]  - إعجاز القرآن والبلاغة النبوية للرافعي ، ص 98
[45] - إعجاز القرآن البياني ص/ 83
[46]- سير أعلام النبلاء ج/ 10 / 118 - 119
[47] - سير أعلام النبلاء ج/ 9 / 445 - 447
[48] - سير أعلام النبلاء ج/ 13 / 296 – 302  والأعلام ج/ 4/ 237
[49] - جهود العلماء في بيان إعجاز القرآن الكريم 1077.
[50] - ثلاث الرسائل في إعجاز القرآن ص/ 75
[51] - سير أعلام النبلاء ج/ 17 / 23 – 28
[52] - إعجاز القرآن للخطابي ص/ 27
[53]  - إعجاز القرآن للباقلاني ص 33
[54] - الرسالة الشافية ص/ 38
[55] - الرسالة الشافية ص/ 38
[56]  - الرسالة الشافية ص/ 40
[57]  - الرسالة الشافية ص/ 44
[58]  - سورة النحل آية 90
[59]  - الرسالة الشافية ص/ 50
[60]  - الرسالة الشافية ص/ 52
[61] - الرسالة الشافية ص/ 58
[62] - وهي أم جندب امرأة امرئ القيس.
[63] - الرسالة الشافية ص/ 60
[64]-  الرسالة الشافية ص/ 82
[65] - سورة هود آية 13
[66]- والصرفة كما يقول الأستاذ الدكتور عبد القادر حسين في شرحه للرسالة الشافية: معناها أن العرب كانوا قادرين أن يأتوا بمثل القرآن بلفظه وتأليف كلماته إلا أن الله صرفهم عن ذلك. ص/ 90 من الرسالة الشافية.
[67]- الرسالة الشافية. ص/ 90
[68] - الرسالة الشافية ص/94
[69] - في مقدمة شرح الرسالة الشافية لأستاذ عمر باحاذق.
[70]- دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر، تحقيق محمود شاكر ص/ 81
[71] - كتاب التعريفات للجرجاني. في باب النون
[72]- دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر، تحقيق محمود شاكر ص/ 81
[73] - نقلا عن الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي في كتابه/ إعجاز القرآن البياني ودلائل مصدره الرباني ص/ 93
[74] - دلائل الإعجاز للجرجاني ص/ 385 - 393
[75] - شرح الرسالة الشافية لعمر محمد عمر باحاذق ص/ 17

1 commentaire: